سيد محمد طنطاوي
327
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهذه الأقوال التي حكاها القرآن عنهم ، تدل على أنهم قوم قد بلغوا أقصى درجات الجحود والعناد : فقلوبهم قد أغلقت عن إدراك الحق ، وأسماعهم قد صمت عن سماعه ، وأشخاصهم قد أبت الاقتراب من شخص الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم الذي يحمل لهم الخير والنور ، وما حملهم على ذلك إلا اتباعهم للهوى والشيطان . وصدق اللَّه إذ يقول : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ . ثم لقن اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم الجواب الذي يرد به عليهم فقال : * ( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِله واحِدٌ ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : إنما أنا بشر مثلكم في الصفات البشرية أوجدنى اللَّه - تعالى - بقدرته كما أوجدكم ، وينتهى نسبي ونسبكم إلى آدم - عليه السلام - إلا أن اللَّه - تعالى - قد اختصني بوحيه ورسالته - وهو أعلم حيث يجعل رسالته - وأمرني أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم . . هو إله واحد لا شريك له ، فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة . وقوله : * ( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْه واسْتَغْفِرُوه ) * أي : فالزموا الاستقامة في طريقكم إليه - تعالى - بالإيمان به وطاعته والإخلاص في عبادته . وقوله - تعالى - : * ( . . ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ . الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) * تهديد لهم بسوء المصير إذا استمروا على عنادهم وشركهم . والويل : لفظ دال على الشر أو الهلاك ، وهو مصدر لا فعل له من لفظه ، والمراد به هنا : الدعاء عليهم بالخزي والهلاك . أي : فهلاك وخزي وعقاب شديد لهؤلاء المشركين ، الذين لا يؤتون الزكاة ، أي : لا يؤمنون بها ، ولا يخرجونها إلى مستحقيها ، ولا يعملون على تطهير أنفسهم بأدائها . . وفضلا عن كل ذلك فهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون . قال ابن كثير : والمراد بالزكاة ها هنا : طهارة النفس من الأخلاق المرذولة . . وقال قتادة : يمنعون زكاة أموالهم ، واختاره ابن جرير . . وفيه نظر ، لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة ، وهذه الآية مكية . اللهم إلا أن يقال : لا يبعد أن يكون أصل الزكاة - وهو الصدقة - كان مأمورا به في ابتداء البعثة ، كقوله - تعالى - : وآتُوا حَقَّه يَوْمَ حَصادِه فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين